خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
تنتقل الآية من ذكر الخلق مجملاً إلى ذكر إتقانه وغايته: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة التغابن، أن المعنى: خلقهما للحق ولإقامة الحق، لا للعبث والباطل. ونقل ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن الله أحسن خلق الإنسان وقوّمه في أعدل صورة، كما قال في سورة الانفطار: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن من إحسان الصورة أن الله جعل الإنسان منتصب القامة يتناول مأكوله بيده لا بفمه كسائر الحيوان. وثبت في "صحيح مسلم" في كتاب البر والصلة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ نهى عن ضرب الوجه وقال في شأن من ضربه: فإن الله خلق آدم على صورته؛ ففي الحديث تعظيم لحرمة الوجه المرتبطة بحسن الصورة التي امتنّ الله بها. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن التذييل بقوله {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} برهان مطوي؛ إذ لو لم يكن مصير ولا حساب لكان خلق العالم بالباطل لا بالحق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية دليلاً على ما تضمنته الآية السابقة من تقرير المسؤولية؛ فإن من خلق السماوات والأرض بالحق لا يليق به أن يسوّي بين المؤمن والكافر. ثم إن ذكر إحسان الصورة عقب ذكر انقسام الناس إلى كافر ومؤمن فيه توبيخ خفي للكافر: أحسن الله صورتك فقابلت الإحسان بالجحود. وقوله {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} حلقة الوصل إلى المقطع الثاني كله؛ فإن السورة ستفصّل هذا المصير في قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ}. فترتّب النظم على ثلاث درجات: خلق متقن، وصورة محسنة، ومصير محتوم؛ ولا ينفك بعضها عن بعض.