هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
بعد تقرير الملك العام ينتقل النظم إلى الإنسان خاصة: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة التغابن، أن المعنى: هو الذي أنشأكم ولم تكونوا شيئاً، فصرتم بعد الخلق فريقين: فريقاً جاحداً بربه، وفريقاً مصدقاً به. وروى عن جمع من السلف أن الآية دالة على أن الكفر والإيمان واقعان بقضاء الله وقدره وأنهما من كسب العباد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله خلق الخلق وهو يعلم من يصير منهم إلى الإيمان ومن يصير إلى الكفر. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن جماعة من أهل التأويل قالوا: {فَمِنكُمْ كَافِرٌ} أي بالله مؤمن بالكواكب والأنداد، {وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} أي بالله كافر بما سواه؛ ففي الآية بيان أن الكفر والإيمان لا يخلو منهما مكلَّف. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن ختمها بـ{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} إعلان بأن هذه القسمة ليست عبثاً بل هي محل المجازاة، إذ العمل مبصَر محفوظ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من العموم الكوني في الآية الأولى إلى التخصيص الإنساني في هذه الآية؛ فبعد أن أخبر أن ما في السماوات والأرض يسبّح، بيّن أن هذا الجنس الإنساني وحده هو الذي انشقّ فيه الصف. وفي هذا تعريض لطيف: أنّ الكافر خرج عن سنن الوجود كله. ثم تمهد الآية لما بعدها؛ إذ ستذكر الآية الثالثة إتقان الخلق وإحسان الصورة، فيكون الكفر بعد هذا الإحسان أقبح؛ وستذكر الآية الرابعة إحاطة العلم بالسر والعلن، وهو تفصيل لقوله هنا {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. كما أن هذه القسمة إلى فريقين هي البذرة التي ستثمر في آخر السورة مشهد التغابن؛ إذ لا تغابن إلا بين رابح وخاسر.