فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
بعد إقامة الحجة يأتي الأمر بمقتضاها: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة التغابن، أن المراد بالنور هنا القرآن الذي أنزله الله على رسوله؛ سماه نوراً لأنه يُهتدى به في ظلمات الجهل والشك كما يُهتدى بالنور في ظلمة الليل. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا أمر بالإيمان بالأصول الثلاثة التي لا ينفكّ بعضها عن بعض: الإيمان بالمرسِل، وبالمرسَل، وبالمرسَل به. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، أن تسمية القرآن نوراً جاءت في غير موضع، منه قوله في سورة النساء: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا}. ونبّه ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية، على أن التعبير بـ{أَنزَلْنَا} بنون العظمة بعد ذكر لفظ الجلالة بضمير الغائب التفات يفيد تعظيم شأن المنزَّل والعناية بإنزاله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية ثمرة ما قبلها؛ فإن الآية السابقة أقامت الحجة بالقسم والبرهان على البعث، فتفرّع عليها الأمر بالإيمان بالفاء الفصيحة. وفيها ترتيب محكم: الإيمان بالله أولاً لأنه الأصل، ثم برسوله لأنه المبلّغ، ثم بالقرآن لأنه المبلَّغ. ثم ختمت بـ{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وهي نظير ختام الآية الثانية {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}؛ فجاء البصر هناك في مقام الخلق والانقسام، وجاءت الخبرة هنا في مقام التكليف والامتثال؛ لأن الامتثال يفتقر إلى نية باطنة لا يطلع عليها إلا خبير. وهذه الآية جسر إلى الآية التاسعة التي تفصّل مآل من آمن ومن أعرض.