ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا ۚ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا ۚ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
تكشف الآية عن العلة الجذرية لهلاك المكذبين: {فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة التغابن، أن المعنى: فعلنا بهم ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالحجج الواضحات فقالوا منكرين مستكبرين: أبشر مثلنا يرشدوننا ويكونون رسلاً إلينا؟ فكفروا بالرسل وأعرضوا عن الاتباع. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذه شبهة قديمة تكررت في الأمم، وأنها هي بعينها التي حكاها الله عن كفار قريش. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن قوله {وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ} معناه: استغنى عن عبادتهم وإيمانهم؛ فلم يضرّه كفرهم شيئاً، وإنما ضرّوا أنفسهم. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن الجمع بين {غَنِيٌّ} و{حَمِيدٌ} في التذييل بديع؛ لأن الغني قد يكون بخيلاً غير محمود، فبيّن أن غناه مقرون بالإفضال المستوجب للحمد، فهو غنيّ عنهم لا لبخل بل لكمال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية علة لما قبلها؛ فقوله {ذَٰلِكَ} إشارة إلى الوبال والعذاب، والباء للسببية، فتبيّن أن سبب العقوبة ليس مجرد الكفر بل الكفر بعد قيام البينة. وفيها تدرّج دقيق: مجيء الرسل بالبينات، فالاستنكار، فالكفر، فالتولي، فالاستغناء الإلهي؛ خمس مراحل مرتبة بالفاء الدالة على التعقيب، تصوّر انحدارهم درجة بعد درجة. وهذا التسلسل تمهيد للآية بعدها؛ فإن من أنكر أن يكون البشر رسولاً أهون عليه أن ينكر البعث، فالشبهتان من معين واحد وهو قياس الغائب على المألوف.