يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ
يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا تحديد لميقات الرجع المذكور في الآية قبلها؛ أي: يرجعه يوم تُختبر السرائر وتُكشف. و«تُبلى» من «الابتلاء» وهو الاختبار؛ ومنه قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}؛ والاختبار في هذا الموضع يستلزم الكشف والإظهار؛ لأن اختبار الشيء إبراز لحقيقته. و«السرائر» جمع «سريرة»، وهي ما أسرّه الإنسان في نفسه وأخفاه عن غيره من نية وعقيدة وقصد. وذهب أهل التأويل إلى أن المراد اختبار ما أضمرته النفوس من إيمان أو كفر، وإخلاص أو رياء، ووفاء أو غدر؛ فيظهر يومئذ ما كان مستوراً. ونُقل عن بعض السلف في تفسير السرائر أنها الفرائض التي أسرّها العبد بينه وبين ربه كالصلاة والصوم والزكاة والغسل من الجنابة؛ فيُختبر أوفّاها العبد أم ضيّعها؛ وهذا داخل في عموم اللفظ لا مخرج له عنه. ويشهد لعموم المعنى قوله تعالى في سورة الطلاق عن أهل القرى: {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا}، وقوله في سورة العاديات: {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}؛ فإن تحصيل ما في الصدور هو عين ابتلاء السرائر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء تحديد الميقات بوصفه لا باسمه؛ فلم يقل «يوم القيامة» ولا «يوم البعث»، بل عبّر عنه بأخصّ ما يقع فيه بالنسبة إلى مقصد السورة: ابتلاء السرائر. وهذا اختيار محكم؛ لأن السورة كلها قائمة على معنى الكشف: نجم يثقب الظلمة، وحافظ يحصي ما خفي، ويوم تُبلى فيه السرائر. فوصف اليوم بهذا الوصف يجعل ذكره امتداداً للمعنى الجامع لا مجرد تعيين لزمان. ثم إن الآية تربط بين طرفي السورة الأول والثاني: فالحفظ في الآية الرابعة يقتضي محفوظاً، والمحفوظ يظهر في هذا اليوم؛ فما أُحصي هناك يُكشف ههنا. وهي تمهّد للآية بعدها؛ إذ إذا انكشف المستور لم يبق للعبد ما يستتر به ولا من ينصره: {فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}.