وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ
هذا قسم ثانٍ في السورة، افتُتح به المقطع الثالث، وجوابه في قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ}. و«الرجع» ههنا فسّره جمهور أهل التأويل بالمطر؛ سُمّي رجعاً لأنه يرجع مرة بعد أخرى، وقيل: لأن السحاب يرفع ماء البحار ثم يرجعه إلى الأرض. وقال بعضهم: {ذَاتِ الرَّجْعِ} أي ترجع النجوم والشمس والقمر فتطلع من جهة وتغرب في أخرى ثم تعود؛ فالرجع على هذا دوران الأفلاك. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل تفسير الرجع بالمطر يرجع كل عام، وهو أشهر الأقوال وأكثرها ذكراً عندهم. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية القولين معاً، وأن العرب تسمي المطر «الرجع» لعوده وتكراره. والقولان راجعان إلى معنى واحد وهو التكرار والعَود، وهو المعنى الذي يخدم مقصد السورة في تقرير رجع الإنسان بعد موته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): افتتح المقطع الثالث بقسم جديد، وهذا التجديد لأن المقسَم عليه تجدد: فالقسم الأول كان على قضية الجزاء، وهذا القسم على قضية الوحي؛ وهما ركنا الرسالة. واختير المقسَم به على وفق المقسَم عليه: فالسماء التي ترجع بالمطر تحيي الأرض بعد موتها، والقرآن قولٌ ينزل من السماء فيحيي القلوب بعد موتها؛ فبين المقسَم به والمقسَم عليه شبه معنوي محكم. ثم إن لفظ «الرجع» ههنا يعيد إلى الذهن قوله في المقطع السابق: {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}؛ فجاء اللفظ الواحد رابطاً بين المقطعين: رجعٌ للماء من السماء، ورجعٌ للإنسان من قبره؛ وكلاهما من فعل قادر واحد. وبهذا يتبين أن السورة مبنية على شبكة من الألفاظ المتكررة تشد أطرافها بعضها إلى بعض.