فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ
فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ
هذا بيان لحال الإنسان في ذلك اليوم بعد أن تُكشف سريرته؛ أي: فما له من قوة في نفسه يمتنع بها، ولا ناصر من غيره يدفع عنه. وذهب أهل التأويل إلى أن المعنى: ما للإنسان يومئذ من قوة يدفع بها عن نفسه العذاب، ولا ناصر ينصره من دون الله. فنفى عنه سبحانه سببي النجاة اللذين يعتمد عليهما الناس في الدنيا: القوة الذاتية، والنصرة الخارجية. ونظير هذا المعنى في القرآن كثير؛ كقوله في سورة الانفطار: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}، وقوله في سورة غافر: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن العبد يومئذ ليس له قوة ذاتية ولا نصرة خارجية، فلا ملجأ له إلا إلى ربه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة للمقطع الثاني على أدق ترتيب منطقي: كشفٌ للسرائر، ثم تقريرٌ للعجز عن الدفع. وهذا الترتيب هو ما يقع في محاكمات الدنيا نفسها: يُقام الدليل أولاً، ثم يُبحث المتهم عن مخرج؛ فإذا انسدّ باب الدفع بالذات وباب الدفع بالغير لم يبق إلا الحكم. وقد استوعبت الآية جهتي الدفع كلتيهما؛ فالإنسان في الدنيا يدفع عن نفسه إما بقوته وإما بعشيرته وماله وجاهه؛ فنفى الله عنه الجهتين معاً بأوجز عبارة. وموقعها من السورة أيضاً موقع التمهيد للمقطع الثالث؛ فإذا كان هذا مصير المكذّب فحريّ به أن يصغي إلى القول الفصل الذي يأتي بيانه: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ}.