وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
افتتح الله سبحانه هذه السورة بقسمين مقترنين: قسم بالسماء التي هي السقف المرفوع على الخلق، وقسم بالطارق. وأصل «الطَّرْق» في لسان العرب: الدقّ والضرب بقوة؛ ومنه سُمّيت المِطرقة لما يُدقّ بها، وسُمّي الطريق طريقاً لأن السائرين يدقّونه بأقدامهم. ثم اشتُقّ منه «الطارق» لكل آتٍ بليل؛ لأن الآتي ليلاً يجد الأبواب مغلقة فيحتاج إلى قرعها، فلزم الاسمُ من جاء في الليل وإن لم يقرع. وذهب جمهور أهل التأويل من السلف إلى أن المراد بالطارق ههنا النجم، ولا يحتاج هذا القول إلى ترجيح؛ لأن الله سبحانه تولّى تفسيره بنفسه في الآية الثالثة: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}، فانقطعت مادة الخلاف. وروى الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن جماعة من أهل التأويل قولهم في {وَالطَّارِقِ}: هو النجم، وأن الله سمّاه طارقاً لأنه يبدو بالليل ويخفى بالنهار. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير أول سورة الطارق أن العرب تسمي كل آتٍ بالليل طارقاً، وأنشدوا في ذلك ما هو معروف في أشعارهم. ويشهد لهذا الأصل اللغوي ما ثبت في السنة من نهي النبي ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلاً إذا قدم من سفر، رواه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ فسُمّي مجيئه ليلاً «طروقاً» على هذا الأصل بعينه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم القسم على ترتيب دقيق: بدأ بالكل وهو السماء، ثم ثنّى بجزء من أجزائها وهو الطارق؛ وهذا انتقال من العام إلى الخاص يُثبّت المعنى في الذهن مرتين: مرة على جهة الإجمال ومرة على جهة التفصيل. وفي اختيار المقسَم به مناسبة تامة للمقسَم عليه؛ فإن جواب القسم هو إثبات الحافظ على كل نفس، والطارقُ نجمٌ يخترق ظلمة الليل بضوئه فلا تستره الظلمة، فكذلك علم الله ورقابته تخترق حجب النفوس فلا تسترها خفية. ثم إن الطارق يأتي على حين غفلة من النائمين، وكذلك الأجل والحساب يأتيان على حين غفلة من الغافلين؛ فالمقسَم به صورة حسية للمقسَم عليه لا مجرد مؤكِّد له. وهذا الافتتاح بالسماء يربط السورة بما قبلها من سورة البروج التي افتُتحت بالقسم بالسماء ذات البروج؛ فكأن الطارق واحد من سكّان تلك البروج.