وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ
وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ
هذا قسم معطوف على القسم بالسماء؛ فبعد أن أقسم بالعالم العلوي أقسم بالعالم السفلي. و«الصَّدْع» في اللغة: الشقّ والتفرّق؛ يقال: «صدع الشيءَ» إذا شقّه، ومنه «الصَّديع» للفجر لأنه ينشق عن الظلام. وذهب جمهور أهل التأويل إلى أن المراد انصداع الأرض عن النبات؛ فإن الحبة تقع في الأرض فتنصدع عنها الأرض فيخرج النبت. وقال بعضهم: المراد ما فيها من الشقوق والأودية والطرق؛ وقال آخرون: انصداعها عن الموتى يوم القيامة. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن {ذَاتِ الصَّدْعِ} هي التي تتصدع عن النبات. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى تنصدع عن النبات والثمار، وهو الذي يقتضيه اقتران القسم بالسماء ذات الرجع؛ إذ المطر ينزل فتنصدع الأرض بالنبات؛ فارتبط القسمان ارتباط السبب بالمسبَّب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء القسم بالأرض تالياً للقسم بالسماء على الترتيب الطبيعي للحدث: ماء ينزل، ثم أرض تنشق به. فالآيتان ليستا قسمين متجاورين فحسب، بل هما مشهد واحد ذو مرحلتين؛ ولذلك جاء الوصفان متناظرين في البناء: {ذَاتِ الرَّجْعِ} و{ذَاتِ الصَّدْعِ}، اتفقا في الصيغة والوزن والفاصلة. وهذا التناظر اللفظي يعكس تناظراً معنوياً: رجعٌ من فوق، وصدعٌ من تحت؛ عطاءٌ نازل، واستجابةٌ صاعدة. ثم إن في المشهد كله إشارة مطوية إلى البعث: فالحبة تُدفن في الأرض فتُظنّ هالكة، ثم تنشق عنها الأرض فتخرج حيّة نامية؛ وهذه صورة الإنسان يُدفن ثم تنشق عنه الأرض يوم يُبعث؛ فالقسم بالمشهدين تمهيدٌ لتصديق الجواب في الآية بعده.