وَأَكِيدُ كَيْدًا
وَأَكِيدُ كَيْدًا
هذا جواب الله سبحانه على كيد المكذّبين؛ والمعنى: وأدبّر لهم من حيث لا يشعرون ما يُبطل تدبيرهم ويجعل مكرهم وبالاً عليهم. وقد جاء وصف فعل الله بلفظ «الكيد» في مواضع من القرآن؛ كقوله في سورة الأعراف: {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}، وقوله في سورة يوسف: {كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}. وقرر أهل السنة أن ما ورد من هذه الألفاظ في حق الله ــ كالكيد والمكر والخداع والاستهزاء ــ فهي صفات فعل ثابتة له على وجه الكمال، لا تُوصف بها ذاته على الإطلاق، وإنما تُذكر مقيَّدة في مقام المقابلة والجزاء؛ فيقال: يكيد لمن كاده، ويمكر بمن مكر به؛ ولا يقال مطلقاً: «الكائد» أو «الماكر». ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: أستدرجهم من حيث لا يعلمون؛ وهو تفسير جارٍ على أصل أهل السنة في هذا الباب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت المقابلة على أدق نظام: فعل بفعل، ومصدر بمصدر، وجملة بجملة؛ فالآيتان متوازنتان لفظاً ومعنى. وقد وقع في هذه الآية التفات بديع من أسلوب الغيبة في قوله {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ} إلى أسلوب التكلم في {وَأَكِيدُ}؛ ومقتضى الظاهر أن يقال: «ويكيد الله كيداً»؛ فالعدول إلى ضمير المتكلم يفيد أن الجبار سبحانه تولّى المقابلة بنفسه دون واسطة؛ وهذا أشدّ في التهديد وأبلغ في التثبيت للنبي ﷺ. وموقع الآية من السورة موقع الفصل في المواجهة؛ فبعدها لم يبق إلا بيان ما يصنعه النبي ﷺ في انتظار وقوع هذا الوعد، وهو الإمهال المذكور في الآية الأخيرة؛ فالترتيب: كيدهم، ثم كيد الله، ثم موقف النبي ﷺ بينهما.