إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ
إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ
هذا جواب القسم المنتظر منذ مطلع السورة؛ والمعنى: ما من نفس إلا وعليها حافظ رقيب يحفظ عملها ويحصيه عليها. وذهب جمهور أهل التأويل إلى أن الحافظ ههنا الملائكة الموكلون بحفظ أعمال العباد وإحصائها؛ وقال بعضهم: الحفظ حفظ الرعاية والصيانة من الآفات؛ والقولان لا يتنافيان، بل يجتمعان في العبد الواحد: حفظُ ذاتٍ في الدنيا، وحفظُ عملٍ للحساب. ويشهد للأول قوله تعالى في سورة الانفطار: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}، ويشهد للثاني قوله في سورة الرعد: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن المعنى: ما كل نفس إلا عليها حافظ من الله يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الحافظ من الملائكة يحفظ عليها أعمالها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم الجواب مع القسم انتظاماً محكماً: أقسم بنور يثقب الظلمة، ثم أخبر برقيبٍ لا تحجبه سرائر النفوس؛ فالمقسَم به شاهد حسّي على المقسَم عليه الغيبي. وجاء الجواب بصيغة العموم المستغرق {كُلُّ نَفْسٍ} ليقطع كل استثناء يتوهمه متوهم لنفسه أو لقبيله؛ فلا كبير يُعفى ولا صغير يُهمَل. وهذه الآية هي المحور الذي تدور عليه السورة كلها؛ فإن إثبات الحفظ يستلزم الإحصاء، والإحصاء يستلزم الحساب، والحساب يستلزم البعث؛ ولذلك جاء بعدها مباشرة الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}. فالآية عقدة النظم التي تُشدّ إليها أطراف السورة، وهي أيضاً وجه الاتصال بخاتمة سورة البروج؛ فحفظ الكتاب في اللوح المحفوظ يقابله حفظ العمل في الصحف.