إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ
إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ
هذه هي النتيجة التي سيق لها الاستدلال كله: إن الذي خلق الإنسان من ذلك الماء المهين قادر على ردّه وإعادته بعد موته وبلاه. والضمير في {إِنَّهُ} عائد على الله سبحانه، وهو المفهوم من سياق الخلق وإن لم يُصرَّح به. وفي المراد بـ«الرجع» قولان لأهل التأويل: أشهرهما وأقواهما أنه إعادة الإنسان حيّاً بعد الموت للبعث والحساب، ويشهد له ما بعده: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}؛ فإن هذا الظرف لا يستقيم إلا على إرادة البعث. والقول الثاني أن المراد ردّ الماء إلى الإحليل أو إلى الصلب، وهو قول مرجوح؛ لأنه ينبو عنه ما بعده من ذكر يوم القيامة، ولأنه يفوّت على السورة مقصدها الأعظم. ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية ترجيح القول الأول، وأنه إعادة الإنسان يوم القيامة. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن من أوجد الإنسان من هذا الماء قادر على إعادته للبعث والنشور.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية عقدة البرهان في المقطع الثاني من السورة؛ فقد سبقها أمر بالنظر، ثم بيان للمادة، ثم بيان للمخرج؛ فلما تمت المقدمات جاءت النتيجة مؤكَّدة بمؤكِّدين: {إِنَّ} واللام. وتأكيد النتيجة بعد وضوح مقدماتها ليس تحصيل حاصل، بل هو مقتضى حال المخاطَب المنكِر؛ فإن الخبر إذا أُلقي على منكِر وجب توكيده بحسب درجة إنكاره. وموقع الآية من السورة كلها موقع الرابط بين نصفيها: فهي متصلة بما قبلها لأنها نتيجته، ومتصلة بما بعدها لأن {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} ظرف متعلق بها؛ فهي تجمع بين البرهان والموعد، وبين المقدمة والغاية. ثم إنها راجعة في المعنى إلى جواب القسم الأول {عَلَيْهَا حَافِظٌ}؛ إذ لا فائدة من الحفظ إن لم يكن رجع وحساب.