وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ
لما أبهم سبحانه المقسَم به في الآية الأولى، أعقبه بهذا الاستفهام الذي يقصد به تعظيم شأن المسؤول عنه وتفخيمه؛ والمعنى: وأيّ شيء أعلمك ما الطارق؟ أي إن شأنه أعظم من أن تبلغه بمجرد ما ألفتَ من مشاهدته. وقرر أهل التفسير أن كل ما في القرآن من قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ} فقد أعلمه الله إياه وبيّنه له بعده، وكل ما فيه من قوله: {وَمَا يُدْرِيكَ} فهو مما استأثر الله بعلمه ولم يُطلعه عليه؛ وهذا ضابط تداوله المفسرون وذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية. ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الاستفهام ههنا خرج مخرج التعظيم، وأن الله فسّره بقوله: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}. والخطاب في {أَدْرَاكَ} للنبي ﷺ في ظاهره، وهو متوجه إلى كل سامع في حقيقته؛ لأن المقصود تنبيه العقول جميعاً لا استعلام النبي ﷺ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الجملة من النظم موقع الاعتراض بين القسم وجوابه؛ وهو اعتراض لا يقطع السياق بل يخدمه؛ إذ يرفع درجة انتباه السامع قبل إلقاء الحكم الخطير في الآية الرابعة. ولو جاء الجواب متصلاً بالقسم مباشرة لَما بلغ من النفس ما بلغه بعد هذا التمهيد. وفيه أيضاً بناء تدريجي دقيق: إبهام في الأولى، ثم تعظيم للمبهم في الثانية، ثم كشف له في الثالثة، ثم إلقاء المقصود في الرابعة؛ فالسورة تصعد بالسامع درجة درجة حتى تضع بين يديه قضية الحفظ والحساب وهو في أعلى درجات التهيؤ. وهذا الأسلوب مطّرد في السور المكية القصار، ويتكرر في القرآن في مقام تعظيم الأمور الغيبية.