يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ
يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ
هذا وصف ثانٍ للماء الدافق يبيّن مخرجه. و«الصُّلب» عظم الظهر الذي فيه فقاره، و«الترائب» جمع «تَريبة»، وهي عظام الصدر مما يلي الترقوتين، وقيل: موضع القلادة من الصدر. وذهب جمهور أهل التأويل إلى أن المراد صلب الرجل وترائب المرأة؛ فيكون في الآية إشارة إلى اجتماع الماءين. وقال آخرون: هما من الرجل وحده، أي يخرج من بين صلبه وترائبه. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في {التَّرَائِبِ}، وأن أشهرها أنها موضع القلادة من الصدر. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن الترائب في اللغة عظام الصدر، وأن الخلاف بين المفسرين في تعيين صاحبها راجع إلى اختلاف تنوع لا إلى تضاد. والذي يجمع الأقوال أن المقصود بيان أن هذا الماء يخرج من موضع محفوظ بين عظام الظهر وعظام الصدر، وهو موضع لا يبلغه تدبير مدبِّر ولا صنعة صانع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضى النظم أن يُتبع وصفَ المادة بوصفِ المخرج؛ لأن الحجة على القدرة لا تتم بذكر الأصل وحده، بل بذكر دقة الموضع الذي جُعل مصدراً له. فالماء الذي يبدو للناظر أمراً هيّناً، مخرجه من بين عظام محكمة التركيب، متباعدة الجهات؛ فالخروج من «بين» هذين يقتضي تدبيراً بالغ الدقة. ثم إن هذا الوصف يوطّئ للنتيجة في الآية بعده: {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}؛ إذ من دبّر هذا التركيب الدقيق وأخرج منه هذا الماء على هذا الوجه، فإعادة الإنسان بعد تفرّق أجزائه أهون عليه في مقاييس العقول. وفي اختيار عظام الظهر والصدر بالذكر مناسبة أخرى: أنهما موضع القوة والحياة في البدن؛ فمن هذا الموضع الحصين تخرج مادة الحياة الجديدة.