إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا
لما قرر سبحانه أن القرآن قول فصل جادّ، أخبر عن موقف المكذّبين منه؛ وهو الكيد والتدبير في الخفاء لإبطاله وصدّ الناس عنه. و«الكيد» في اللغة: المكر والاحتيال وإرادة الضرر بطريق خفيّ؛ يقال: «كاده يكيده كيداً» إذا احتال عليه في السرّ. والضمير في {إِنَّهُمْ} عائد على المكذّبين المفهومين من السياق؛ فقد جرى الكلام في تكذيبهم بالقرآن واستهزائهم به. وذهب أهل التأويل إلى أن المراد كيد مشركي مكة بالنبي ﷺ ودعوته؛ فقد دبّروا في الخفاء صنوف المكر: من الإيذاء، والحصار، والتشويه، والائتمار بقتله؛ كما قال سبحانه في سورة الأنفال: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن كيدهم لإبطال الحق ونصر الباطل، وأن الله يقابله بكيده الذي لا يُردّ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من وصف القرآن إلى وصف موقف المكذّبين منه؛ وهو انتقال طبيعي؛ إذ بعد بيان حقيقة الشيء يُذكر ما لقيه من الناس. واختيار صيغة المضارع {يَكِيدُونَ} يفيد أن الكيد متجدد مستمر لا حادثة واحدة؛ فهو حالهم في كل حين، وهذا يمهّد لختام السورة بالأمر بالإمهال؛ إذ لو كان الكيد حادثة عابرة لَما احتيج إلى وصية بالصبر عليه. وموقع هذه الآية من السورة موقع الرجوع إلى الواقع بعد تقرير الحقائق الكبرى؛ فقد قررت السورة الحفظ والبعث وصدق الوحي، ثم عادت إلى ما يجري في الأرض من مواجهة؛ فكأنها تقول: هذه هي الحقائق، وهذا هو موقفهم منها، وهذا هو ما ينبغي أن تصنعه. ثم إن هذه الآية تلتقي بسورة البروج قبلها في تقرير أذى المكذبين لأهل الإيمان.