فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ
فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ
لما قرر سبحانه أن على كل نفس حافظاً يحصي عملها للحساب، أعقب ذلك بالبرهان على إمكان الحساب وهو البعث؛ فأمر الإنسان أن ينظر نظر اعتبار وتأمل في أصل خلقته: من أي شيء خُلق؟ والمقصود بالنظر ههنا نظر القلب والفكر لا نظر البصر؛ إذ ليست مادة الخلق الأولى مما يُرى بالعين في حال إنشائه. وهذا الأمر بالنظر مطّرد في القرآن في مقام الاستدلال على البعث؛ كقوله في سورة الحج: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ}، وقوله في سورة يس: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}. و«الإنسان» ههنا اسم جنس يشمل كل مكلَّف، وقال بعض المفسرين: المراد به المنكِر للبعث خاصة بقرينة السياق؛ والأول أعمّ وأوفق بمقام الدعوة، والثاني أوفق بمقام المحاجّة. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الأمر بالنظر أمر بالتأمل العقلي المفضي إلى العلم بالقدرة على الإعادة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع الآية من السورة موقع الانتقال من الدعوى إلى الدليل؛ فالآية قبلها دعوى: كل نفس عليها حافظ؛ ومقتضاها الحساب والبعث؛ فاحتيج إلى برهان يقرّب هذا المعنى إلى عقل المنكِر. واختير له أقرب دليل وأقلّه كلفة: أن ينظر في نفسه؛ فلم يُكلَّف سفراً ولا نظراً في الآفاق، بل وُجّه إلى ما بين جنبيه. وفي تعليق فعل النظر بالاستفهام {مِمَّ} إثارة للبحث لا تلقين للجواب؛ فترك الجواب في هذه الآية معلّقاً وأتى به في الآية التالية {خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ}؛ فبُني السياق على السؤال ثم الجواب كما بُني مطلع السورة على الإبهام ثم البيان؛ فاتسق أسلوب السورة من أولها إلى وسطها على طريقة واحدة.