خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ
خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ
هذا جواب السؤال المعلَّق في الآية قبلها؛ تولّى الله سبحانه بيانه كما تولّى بيان الطارق في مطلع السورة. والمعنى: خُلق الإنسان من ماء ذي اندفاق وصبّ بقوة، وهو المنيّ. و«الدافق» في كلام العرب من «دَفَقَ الماءَ يَدفُقه دَفْقاً» إذا صبّه صبّاً شديداً؛ ويقال: «دفق الماءُ» بمعنى انصبّ، فيكون لازماً ومتعدياً. وذهب أهل التأويل إلى أن المراد ماء الرجل، وقال جماعة منهم: ماء الرجل وماء المرأة جميعاً؛ لأنهما يجتمعان في الخلق كما دلّ عليه قوله تعالى في سورة الإنسان: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}؛ والأمشاج الأخلاط. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل تفسير {دَافِقٍ} بالمهراق المصبوب. وثبت في السنة ما يوافق دلالة الآية على أصل المادة؛ ففي حديث أم سليم رضي الله عنها في سؤالها النبي ﷺ عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، ووصفه ﷺ لماء الرجل وماء المرأة، رواه البخاري في صحيحه في كتاب الغسل، ومسلم في صحيحه في كتاب الحيض؛ ففيه إثبات أن للمرأة ماءً كما للرجل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب على وفق السؤال في اللفظ والمادة: قال في السؤال {مِمَّ خُلِقَ}، فقال في الجواب {خُلِقَ مِن مَّاءٍ}؛ فأعاد الفعل والحرف بعينهما، وهو من كمال المطابقة بين السؤال والجواب الذي يثبّت المعنى ويقطع الاحتمال. ووصف الماء بالدفق ولم يُترك مطلقاً؛ لأن الوصف هو موضع الحجة: فماء يخرج بهذه القوة ثم يصير علقة ثم مضغة ثم بشراً سويّاً، برهان على قدرة قاهرة لا تعجزها إعادة. ثم إن ذكر الدفق يمهّد للآية بعده التي تبيّن مخرج هذا الماء؛ فالسياق يمضي من المادة إلى المخرج ثم إلى النتيجة العقلية في قوله: {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}؛ وهو ترتيب برهاني لا يقبل التقديم ولا التأخير.