إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ
هذا جواب القسم الثاني؛ والضمير في {إِنَّهُ} عائد على القرآن، وإن لم يجرِ له ذكر صريح؛ لأنه معلوم من المقام، ولأن السياق كله في مواجهة المكذّبين به. والمعنى: إن هذا القرآن لقول فاصل بين الحق والباطل، قاطع في بابه، لا لَبس فيه ولا تردد. و«الفصل» مصدر أُقيم مقام الوصف مبالغة؛ أي: فاصل. وقال أهل التأويل: هو الحق الذي يفصل بين المؤمن والكافر، وقيل: هو الحكم الذي يفصل بين المتنازعين. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل تفسير {فَصْلٌ} بأنه القضاء الحق الفاصل بين الحق والباطل. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن وصف القرآن بالفصل يجمع معنى القطع في الدلالة والقطع في الحكم؛ فهو فاصل في بيانه وفاصل في قضائه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب بعد قسمين كونيين، وهو خبر عن القرآن؛ فانتقل السياق من عالم المحسوسات إلى عالم الوحي انتقالاً محكماً: فالسماء ترجع بما يفصل بين موت الأرض وحياتها، والقرآن ينزل بما يفصل بين موت القلوب وحياتها. وتقديم قضية الجزاء في نصف السورة الأول ثم قضية الوحي في نصفها الثاني ترتيب مقصود؛ لأن الجزاء هو الغاية والوحي هو الطريق إليها، وذكر الغاية أولاً يوجب الالتفات إلى الطريق. وموقع الآية أيضاً موقع الردّ على دعاوى المشركين في القرآن؛ فقد رموه بأنه شعر وسحر وأساطير الأولين؛ فجاء الجواب بوصفين قاطعين: إثبات أنه فصل في هذه الآية، ونفي أن يكون هزلاً في الآية بعدها؛ فاجتمع الإثبات والنفي في جملتين متعاقبتين.