وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ
وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ
هذا نفيٌ يتمّم الإثبات الذي في الآية قبلها؛ فبعد أن أثبت أن القرآن قول فصل، نفى عنه أن يكون هزلاً. و«الهزل» ضد الجدّ؛ وهو من الكلام ما لا يُراد به حقيقته ولا يُقصد به عمل. والمعنى: ما هذا القرآن باللعب والباطل والمزاح، بل هو الجدّ الذي يترتب عليه أعظم الأمور. وذهب أهل التأويل إلى أن المعنى: ما هو باللعب، وأنه جدّ حقّ. ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى: جدّ ليس بالهزل. ووجه ذكر هذا النفي أن المشركين كانوا يتلقّون القرآن بالاستهزاء والسخرية والتنادر به في مجالسهم؛ كما أخبر الله عنهم في مواضع كقوله في سورة الأنبياء: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا}؛ فجاء هذا النفي رداً على صنيعهم وتحذيراً من عاقبته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضى النظم أن يُتبع الإثبات بالنفي؛ لأن تقرير المعنى الواحد بطريقي الإثبات والنفي أبلغ في تثبيته وقطع الاحتمال؛ فهو أسلوب قرآني مطّرد في مواضع كثيرة. وثمة نكتة أخرى: أن وصف القرآن بأنه «فصل» يقتضي لازماً هو الجدّ؛ فجاء نفي الهزل تصريحاً بهذا اللازم؛ لأن القوم كانوا يعاملونه معاملة الهزل، فلم يكفِ إثبات ضده حتى يُنفى بعينه. ثم إن هذه الآية تمهّد للآيات الثلاث الأخيرة؛ إذ إذا تقرر أن الأمر جدّ لا هزل، فمن تعاطى معه بالكيد والمكر فقد وضع نفسه في مواجهة جادّة؛ ولذلك جاء بعدها: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا}؛ فترتّب الوعيد على تقرير الجدّية ترتّباً منطقياً.