النَّجْمُ الثَّاقِبُ
النَّجْمُ الثَّاقِبُ
هذا بيان الله سبحانه لما أبهمه وعظّمه؛ فتولّى تفسير «الطارق» بنفسه فقال: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}. و«الثاقب» في كلام العرب: النافذ المضيء؛ من «ثَقَبَ الشيءَ» إذا خرقه ونفذ فيه؛ ومنه «ثَقَبَتِ النارُ» إذا اتقدت وعلا ضوءها، ويقال: «أثقِبْ نارَك» أي أضئها؛ فالثقوب يجمع معنى الإضاءة ومعنى النفوذ. وذكر أهل التأويل في وصفه بالثقوب وجوهاً متقاربة: أنه المضيء الذي يثقب بنوره الظلام فينفذ فيه، وأنه الذي يثقب الشياطين بالشهب إذا استرقت السمع، وأنه المرتفع الذي ثقب السماوات بعلوّه. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل تفسير «الثاقب» بالمضيء، وأن العرب تقول: «أثقب نارك» أي أضئها. واختلف المفسرون في تعيين النجم: فقيل هو جنس النجوم كلها والألف واللام للجنس، وقيل هو زحل لعلوّه، وقيل هو الثريا؛ والراجح عند المحققين حمله على الجنس؛ لأن التخصيص يحتاج إلى دليل، ولأن الدلالة المقصودة قائمة في كل نجم ثاقب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب مجرداً من كل زيادة: اسم موصوف بوصف واحد، بلا تفصيل ولا استطراد؛ وهذا الإيجاز مقصود؛ لأن المقام مقام تصديق للتشويق لا مقام تعليم فلكيّ. ووصفُه بالثقوب دون سائر أوصافه ملحظ دقيق؛ إذ من أوصاف النجم الحسن والزينة والاهتداء به، فلم يُذكر منها شيء، وإنما ذُكر النفوذ والاختراق؛ لأن السورة قائمة على معنى انكشاف المستور: نجم يثقب الظلمة فيكشف ما سترته، وحافظ يحصي ما تخفيه النفوس، ويوم تُبلى فيه السرائر فينكشف المستور. فالوصف المختار هنا هو المفتاح الذي تُفتح به السورة كلها. وبهذا التفسير الرباني ينقطع النزاع في المقسَم به، ويتفرغ السامع لتلقّي جواب القسم في الآية التالية.