تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): * التسلسل السيكولوجي الدقيق في تطور الجريمة الأخلاقية: كشفت الآية عن تسلسل نفسي واجتماعي في غاية الدقة والإعجاز؛ فالجريمة تبدأ من «ظن السوء في القلب»، فإذا استقر الظن في النفس وسوس الشيطان لصاحبه أن يتأكد، فيتحول الظن إلى «تجسس وتلصص وبحث عن العورات»، فإذا عثر على سقطة نقلها للناس فوقع في «الغيبة وإشاعة الفاحشة»؛ فجاء النهي القرآني محكماً يبدأ بقطع دابر الجريمة من منبعها القلبي (اجتناب الظن)، ثم يقطع وسيلتها العملية (النهي عن التجسس)، ثم يجرم ثمرتها الشيطانية (النهي عن الغيبة)؛ فكان تشريعاً وقائياً يسد منافذ الفساد بأكمل بيان.
- البناء الجدلي التمثيلي لإسقاط الغيبة: انتقل النظم من النهي الصريح إلى أسلوب التمثيل الصادم: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}؛ فعرض المشهد بطريقة تجعل الفطرة الإنسانية السوية تتقيأ وتنتفض رعباً وقرفاً من هذا السلوك المشين.