كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا
انتقلت السورة من التقرير إلى الشاهد التاريخي؛ فبعد أن قرر أن من دسّى نفسه خاب، ساق مثالاً لأمة دسّت أنفسها فأُهلكت. وثمود قبيلة عربية بائدة كانت مساكنهم بالحِجر بين الحجاز والشام، بُعث إليهم صالح عليه السلام. ومعنى {بِطَغْوَاهَا}: بسبب طغيانها ومجاوزتها الحد في العتو والكفر. والطغوى مصدر كالدعوى والشكوى، وهي بمعنى الطغيان. قال أهل التأويل: كذّبت ثمود رسولها بطغيانها؛ فالباء للسببية. وقال بعضهم: الطغوى هي عقر الناقة نفسه، والباء للملابسة. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن الطغوى هي الطغيان والعدوان، وأن معنى الآية: كذبت ثمود رسولها بعتوها على الله. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن العدول عن «الطغيان» إلى «الطغوى» لرعاية الفاصلة الجارية على الألف في السورة كلها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية موصولة بما قبلها بلا حرف عطف؛ وذلك لأنها كالبيان والتفسير لقوله {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}؛ فالفصل هنا لكمال الاتصال. وهذا من أدق مواضع الفصل والوصل في السورة؛ إذ لو عُطفت لصارت خبراً مستأنفاً منفصلاً عن الحكم، ولو وُصلت بأداة تعليل لصارت حجة مصرحاً بها؛ فجاء الفصل ليجمع بين الأمرين: فهي شاهد وبيان معاً. ثم إن اختيار ثمود من بين الأمم مناسب لمخاطبي السورة من قريش؛ فقد كانوا يمرون على ديارهم في أسفارهم إلى الشام، ويرون آثار مساكنهم المنحوتة في الجبال؛ فالشاهد محسوس معاين لا يحتاج إلى نقل.