وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا
هذا القسم الخامس، وفيه ارتقاء من الأجرام والأزمنة إلى الظرف الأعظم الذي يحويها. ومعنى {بَنَاهَا}: رفعها وأقامها وأحكم خلقها بلا عمد تُرى ولا فطور. واختلف أهل التأويل في {مَا} على وجهين مشهورين: فذهب فريق إلى أنها موصولة بمعنى «الذي»، والمراد بها الله سبحانه؛ والمعنى: والسماء والذي بناها. وذهب فريق إلى أنها مصدرية؛ والمعنى: والسماء وبنائها؛ أي: والسماء وإحكام صنعتها. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين، واختار أن أولى الأقوال أن تكون بمعنى «مَن»، وأن المقسَم به هو الباني سبحانه؛ لأن سياق الآيات بعدها في قوله {فَأَلْهَمَهَا} يقتضي فاعلاً عاقلاً. وأشار الزمخشري في الكشاف عند تفسير هذه الآية إلى أن إيثار {مَا} على {مَن} لإرادة معنى الوصفية؛ فكأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها؛ فيكون في اللفظ إيماء إلى صفة القدرة لا مجرد الإشارة إلى الذات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من المخلوقات المفردة إلى الأصلين الكبيرين اللذين ينتظمان الوجود المشاهد كله: السماء والأرض. وجاء هذا الزوج بعد الزوجين السابقين ليكون كالإطار الجامع لهما؛ فالشمس والقمر في السماء، والنهار والليل يتعاقبان على الأرض. ثم إن هذا القسم الخامس فتح باباً جديداً في النظم لم يكن في الأقسام الأربعة قبله؛ إذ ذُكر مع المقسَم به فاعلُه: {وَمَا بَنَاهَا}؛ ولم يُذكر مع الشمس من أطلعها ولا مع الليل من أغشاه. وهذا انتقال مقصود من ذكر الآية إلى ذكر صاحبها؛ ليتهيأ السامع لقوله في السابعة {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}، فيكون قد ألف قبلها إسناد الفعل إلى الفاعل الحكيم مرتين.