وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا
وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا
هذا القسم السادس، ونظير الذي قبله في البناء اللفظي والمعنوي. ومعنى {طَحَاهَا}: بسطها ومدّها ووسّعها لتصلح لاستقرار الخلق عليها. قال أهل التأويل: الطحو والدحو أخوان في المعنى، كما يقال: طحاه ودحاه؛ أي بسطه ووسّعه. وقال بعضهم: طحاها بمعنى قسّمها وفرّقها على وجه الانتفاع. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن معنى الطحو البسط والمد، وأن العرب تقول: طحا الرجل في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد بسطها ومدها وما أودع فيها من المنافع، وأن ذكرها بعد السماء جارٍ على سنة القرآن الكريم في قرن السماء بالأرض في مقام الاستدلال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اكتمل بهذه الآية الزوج الثالث من الأقسام، وتم به الاستيعاب المكاني للوجود المشاهد: علوٌّ وسفل، سقفٌ وقرار. وفي هذا الترتيب النازل من السماء إلى الأرض ثم إلى النفس في الآية التالية دلالة على أن السياق يقترب شيئاً فشيئاً من الإنسان؛ فبدأ بما هو أبعد عن حسه وأعظم في نظره، ثم انتقل إلى ما تطؤه قدمه، ثم انتهى إلى ما هو بين جنبيه. وهذا الانحدار التدريجي أبلغ في التمهيد من الابتداء بالنفس؛ لأن السامع إذا سُلّم له في الأعظم لم يجد مساغاً للمنازعة في الأصغر، وإذا أقرّ بأن للسماء بانياً وللأرض طاحياً لزمه أن يقرّ بأن للنفس مسوِّياً وملهِماً.