وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا
هذا القسم الرابع، وهو مقابل الذي قبله؛ إذ أقسم بالنهار حال كشفه، ثم أقسم بالليل حال تغطيته. ومعنى {يَغْشَاهَا}: يغطيها ويسترها بظلمته حتى تخفى. واختلف أهل التأويل في مرجع الضمير على نحو ما تقدم في التي قبلها: فقال جمهورهم: يعود على الشمس؛ والمعنى: والليل إذا غطى الشمس فحجب ضوءها عن وجه الأرض. وقال آخرون: يعود على الأرض؛ أي: إذا غشي الأرض وسترها بظلامه. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين، ورجّح عود الضمير على الشمس اطراداً مع ما سبق. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآيات إلى أن سياق الأقسام الأربعة جارٍ على تقابل الحالين في كل زوج؛ ليكون في تقابلها دلالة على ما في النفس من تقابل الفجور والتقوى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تم بهذه الآية الزوج الثاني من الأقسام، فاكتملت دورة الزمان كما اكتملت قبلها دورة الأجرام. وفي ترتيب الأزواج حكمة: قدّم النور على الظلمة في الزوجين معاً؛ فبدأ بالشمس قبل القمر، وبالنهار قبل الليل؛ لأن مقصود السورة الأعظم هو الدعوة إلى التزكية، والتزكية نور؛ فناسب أن يتقدم في نظم القسم ما يناسب المقصود من جواب القسم. ثم إن هذه الأقسام الأربعة كلها ترجع إلى معنى واحد هو التعاقب المنتظم للنور والظلمة على وجه لا يختل؛ وهو تمهيد بديع لقوله بعدُ: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}؛ فكأن الكون كله بأنواره وظلماته صورةٌ مكبَّرة لما في النفس الواحدة من نوازع الخير والشر.