وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا
افتتح الله سبحانه سورة الشمس بقسم مطوَّل هو أطول ما تتابع من الأقسام في كتابه الكريم؛ إذ بلغ سبعة أقسام متوالية قبل الجواب. وبدأها بالقسم بالشمس؛ وهي أعظم الأجرام أثراً في حياة الأرض، وبها قوام النبات والحيوان والإنسان، وعليها مدار حساب الأزمنة. ثم عطف على ذات الشمس أثرَها فقال: {وَضُحَاهَا}. وقد اختلفت عبارات أهل التأويل في المراد بالضحى هنا على أقوال متقاربة: قال جماعة من أئمة التفسير: ضحاها ضوءها الذي يعم الآفاق بعد ارتفاعها؛ وقال آخرون: هو حرّها الذي ينتشر مع الضياء؛ وقال قوم: هو النهار كله، عبّر عنه بأشرف أجزائه وأتمها نوراً. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذه الوجوه عن أهل التأويل، وجعل مدارها على أن الضحى هو انبساط ضوء الشمس وحرّها بعد ارتفاعها عن الأفق. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الله تعالى أقسم بمخلوقاته الدالة على قدرته وحكمته توطئةً لبيان ما تنطوي عليه النفس البشرية من قابلية الفلاح والخيبة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضت حكمة النظم أن يُبتدأ من أظهر الآيات الكونية للحس، ثم ينحدر السياق شيئاً فشيئاً حتى ينتهي إلى أخفى ما في الوجود على صاحبه وهو نفسه. فالشمس أول ما تقع عليه عين الناظر إذا رفع بصره، وأقرب ما تُدرَك سلطته على الحياة؛ فكان البدء بها بدءاً بالمسلَّم الذي لا ينازع فيه أحد. ثم إن في اختيار الشمس تمهيداً خفياً للمقصود؛ إذ ستُقرَّر في السورة حقيقةُ أن النفس نور وظلمة، وأن لها تجلياً وغشياناً؛ فبدئ بالنور الأعظم ليكون هو المقياس الذي تُقاس عليه أحوال النفس بعد ذلك. وعطفُ {ضُحَاهَا} على {الشَّمْسِ} إشارة إلى أن الجرم لا يُقصد لذاته، بل لأثره الفائض عنه؛ وهو نظير ما ستقرره السورة من أن النفس لا تُقوَّم بمجرد وجودها بل بأثرها الظاهر في العمل.