وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
هذا القسم السابع والأخير، وهو المقصود الذي سيقت الأقسام كلها للتمهيد له؛ إذ انتقل من الآفاق إلى الأنفس. ومعنى {سَوَّاهَا}: عدّلها وقوّمها وأتم خلقها وهيّأها لما خُلقت له، فجعل لها العقل والإدراك والقدرة على التمييز. واختلف أهل التأويل في المراد بالنفس: فقال جماعة: هي نفس آدم عليه السلام؛ وقال الأكثرون: هي كل نفس منفوسة، والتنكير للجنس المستغرق. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن التسوية هي تعديل الخلق وإكماله على ما ينبغي أن يكون عليه. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير الآية السابعة من سورة الشمس أن تنكير {نَفْسٍ} في هذا المقام مراد به التعظيم والتنويه بشأنها؛ لأن المقام مقام إبراز خطرها، وأن حمل التنكير على مجرد الإفراد يفوّت مقصود الآية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ السياق غايته؛ فبعد ستة أقسام في الآفاق جاء القسم السابع في النفس؛ فكان ختام الأقسام هو مطلع المقصود. وهذا من أبدع ما يكون من التخلص؛ إذ لم يُقطع الكلام ولم يُستأنف، بل جُعل آخر المقسَم به هو أول المتحدَّث عنه؛ فالنفس مقسَم بها في هذه الآية، ومقسَم عليها في الآيات بعدها. ثم إن مجيء {وَمَا سَوَّاهَا} على وزان {وَمَا بَنَاهَا} و{وَمَا طَحَاهَا} ربطَ النفس بالسماء والأرض في سلك واحد؛ فأفاد أن هذه النفس الصغيرة في حجمها عظيمة في قدرها، جديرة بأن تُقرن بأعظم مخلوقين، وأن الذي أحكم بناء السماء وبسط الأرض هو الذي أحكم تسويتها؛ فلا موضع لدعوى الإهمال ولا للقول بأنها خُلقت عبثاً.