فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا
هذه الآية جامعة لمشهد الجريمة والعقوبة معاً في نسق متلاحق. والمعنى: فكذبوا رسولهم فيما حذّرهم منه وأنذرهم به، فعقروا الناقة، فأطبق عليهم ربهم العذاب بسبب ذنبهم فأهلكهم جميعاً. و«الدمدمة» عند أهل اللغة: إطباق العذاب على الشيء وتغطيته به حتى يُستأصل؛ يقال: دمدم عليه القبر، أي أطبقه. وقيل: الدمدمة الإهلاك بالاستئصال مع صوت وغضب. وقد بسط القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية وجوه اشتقاق «دمدم»، وذكر أن أصلها من «الدم» وهو الطلي والإطباق؛ يقال: دممت الشيء إذا طليته وغطيته. واختلف أهل التأويل في مرجع الضمير في {فَسَوَّاهَا}: فقيل: يعود على الدمدمة، أي سوّى الدمدمة عليهم فعمّتهم جميعاً لم يفلت منهم أحد؛ وقيل: يعود على القبيلة، أي سوّى بين صغيرهم وكبيرهم وشريفهم ووضيعهم في العذاب؛ وقيل: يعود على الأرض، أي سوّاها عليهم فطمس آثارهم. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذه الوجوه، ومدارها على معنى الإطباق والتسوية في العقوبة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظمت الآية على أربع فاءات متعاقبة: {فَكَذَّبُوهُ} {فَعَقَرُوهَا} {فَدَمْدَمَ} {فَسَوَّاهَا}؛ فرسمت تسلسلاً سريعاً محكماً بين الفعل ونتيجته؛ لا فاصل بينها ولا تراخي. وهذا التتابع اللفظي يصور تتابع الأحداث الواقعي: تكذيب فعقر فعذاب فاستئصال؛ فأصبح النظم نفسه صورة للحدث. ثم إن مجيء لفظ {فَسَوَّاهَا} في خاتمة القصة يربطها بأول السورة في قوله {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}؛ فاتحد اللفظ واختلف المورد: تسوية إنشاء وإكمال في الأول، وتسوية إهلاك وتعميم في الثاني. وهذا التقابل من أعجب ما في السورة؛ إذ يُشعر أن الذي سوّى النفس قادر على أن يسوّي عليها الأرض إذا هي دسّتها.