وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا
عطف الله سبحانه على القسم بالشمس القسمَ بالقمر مقيَّداً بحال التلو. و«التلو» في كلام العرب: الاتباع؛ يقال: تلاه إذا تبعه واقتفى أثره. واختلف أهل التأويل في تعيين وجه اتباع القمر للشمس على أوجه: فقال جماعة منهم: يتلوها إذا كملت واستدارت فطلع مبادراً غروبَها، وذلك في ليالي الإبدار؛ فيكون خلفاً عنها في إنارة الأرض. وقال آخرون: يتلوها في أول الشهر إذا سقطت الشمس رئي الهلال بعدها في الأفق نفسه؛ فهو تابع لها في الغروب. وقال ثالث: يتلوها في اكتساب النور؛ فإن ضوءه مستفاد من ضوئها، فهو تابع لها في أصل الإنارة لا في مجرد الحركة. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية هذه الأقوال عن أهل التأويل، وذكر أن أوسعها معنى ما جعل التلو تبعاً في النور والدور معاً. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير الآية الثانية من سورة الشمس أن تقييد القسم بالقمر بحال التلو دون إطلاقه مقصود؛ لأن المقصود من القسم هو حال التعاقب المنتظم لا مجرد وجود الجرم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء القمر ثانياً بعد الشمس على الترتيب الطبيعي في مراتب الإنارة؛ فالشمس أصل والقمر فرع، والشمس أصلها النور الذاتي والقمر نوره مستمد. وهذا الترتيب مقصود في بناء السورة كلها؛ إذ ستقرر أن النفس فيها أصل مركوز هو الفطرة، وفيها ما ينعكس عليها من كسب صاحبها؛ فكان في تقديم الشمس على القمر تمهيد لتقديم الفطرة على الكسب. ثم إن تقييد الشمس بأثرها {وَضُحَاهَا} وتقييد القمر بفعله {إِذَا تَلَاهَا} فارق دقيق: فالشمس ذُكر معها ما هو منها، والقمر ذُكر معه ما هو نسبة بينه وبين غيره؛ فتقرر بمجرد النظم أن أحدهما مستغنٍ والآخر مفتقر.