وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا
هذا القسم الثالث، وقع بالنهار مقيَّداً بحال التجلية. و«التجلية» في اللغة: الكشف والإظهار وإزالة ما يستر. واختلف أهل التأويل في مرجع الضمير في {جَلَّاهَا} على أقوال: فذهب فريق إلى أنه عائد على الشمس؛ والمعنى: والنهار إذا كشف الشمس وأظهرها للأبصار؛ لأن الشمس لا تُرى في تمام ظهورها إلا في النهار. وذهب فريق إلى أنه عائد على الظلمة وإن لم يجر لها ذكر؛ لدلالة السياق عليها بذكر الليل بعدها؛ والمعنى: والنهار إذا كشف الظلمة وأزالها. وذهب فريق إلى أنه عائد على الأرض أو على الدنيا؛ والمعنى: إذا كشف ما عليها فأبان معالمها للناظرين. وقد بسط القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية هذه الأوجه ووجّهها، وذكر أن عود الضمير على الشمس أظهر لقرب المذكور، وأن عوده على غيرها لا يمتنع لدلالة السياق. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية اختيار من قال إن الضمير للشمس، وأن جلاء النهار لها هو انتشار ضوئها فيه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم من الأجرام إلى الأزمنة؛ فبعد أن أقسم بالشمس والقمر وهما جرمان، أقسم بالنهار والليل وهما زمانان ناشئان عن حركتهما؛ فتدرّج من العلة إلى المعلول ومن السبب إلى الأثر. وهذا التدرج نفسه هو الذي ستقيمه السورة في مبحث النفس: إذ ستذكر التسوية والإلهام أولاً، ثم التزكية والتدسية ثانياً؛ فالأول أصل والثاني أثر. وفي اختيار فعل التجلية للنهار مناسبة لطيفة للمقصود؛ فإن السورة كلها قائمة على كشف حقيقة النفس وإظهار ما تنطوي عليه؛ فكان في القسم بمن شأنه الكشف تمهيدٌ لمقام الكشف الذي يأتي في جواب القسم.