فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
هذه الآية بيان لما بعد التسوية؛ فبعد أن أتم الله خلق النفس وعدّلها، عرّفها طريق الفجور وطريق التقوى. و«الإلهام» في اللغة: إيقاع الشيء في النفس على وجه يستيقنه صاحبه، مأخوذ من «اللَّهْم» وهو الابتلاع؛ فكأن المعنى أُشرِبته النفس وابتلعته حتى صار جزءاً منها. وقد قال جماعة من أهل التأويل: بيّن لها الخير والشر وعرّفها ما تأتي وما تذر؛ وقال بعضهم: خلق فيها قوة تميز بها بين الحسن والقبيح. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل تفسير الإلهام بالتعريف والتبيين. وقد ثبت من دعائه صلى الله عليه وسلم ما أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٧٢٢) في كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا»؛ وهو مطابق لألفاظ هذه السورة في التقوى والتزكية، ودالّ على أن العبد بعد الإلهام مفتقر إلى توفيق ربه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي المفصل بين مقدمة السورة وجوابها؛ إذ جاءت معطوفة على صلة الموصول في القسم، فهي من تمامه لفظاً، وهي في المعنى تقرير المقدمة التي يبنى عليها الجواب. فترتّب النظم على هذا النسق المحكم: تسوية، ثم إلهام، ثم فلاح أو خيبة. ولا يستقيم أحدها إلا بما قبله: فلا إلهام بلا تسوية تصلح للتلقي، ولا فلاح ولا خيبة بلا إلهام يقوم به البيان وتنقطع به المعذرة. وهذا الترتيب هو عين ما جرى عليه القرآن الكريم في تقرير قاعدة العدل الإلهي في مثل قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}؛ فالإلهام الفطري والبيان الرسالي جهتان لبيان واحد.