إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا
إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا
بيّنت هذه الآية وقت وقوع الجريمة الكبرى التي استحقوا بها العذاب. و{أَشْقَاهَا}: أشقى ثمود، وهو الذي باشر عقر الناقة. وقد جاء وصفه في السنة النبوية؛ فقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التفسير عند تفسير سورة والشمس وضحاها، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، من حديث عبد الله بن زمعة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فذكر الناقة وذكر الذي عقرها، فقال: «{إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا} انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ». فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ذا منعة وعزّ في قومه؛ وهو أدل على أن الجريمة لم تكن فعل مغمور لا يُؤبه له، بل فعل مطاع محمي. ومعنى «عارم»: شرس خبيث؛ ومعنى «منيع في رهطه»: يمنعه قومه فلا يُنال. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن العقر وإن باشره واحد فإن القوم رضوا به فعمهم العذاب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ظرف الزمان {إِذِ} متعلقاً بالتكذيب في الآية السابقة؛ فأفاد أن انبعاث الأشقى كان أوان تكذيبهم وذروته؛ فليس حادثة منفصلة عن تكذيبهم، بل هو ثمرته ومظهره العملي. وهذا يكشف عن بناء محكم في القصة: طغيان في النفوس، فتكذيب باللسان، فانبعاث للجريمة باليد؛ ثلاث مراتب متدرجة من الباطن إلى الظاهر. وهو عين الترتيب الذي قررته السورة في مبحث النفس: إلهام، فاختيار، فأثر. فجاءت القصة نموذجاً تطبيقياً مطابقاً للقانون العام الذي سبق تقريره؛ وهذا من أعلى مراتب التناسب بين مقدمة السورة وخاتمتها.