وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا
هذا شق الجواب الثاني، مقابل ما قبله. ومعنى {خَابَ}: خسر وحُرم ولم ينل مطلوبه. ومعنى {دَسَّاهَا}: أخفاها وأخملها وأخسّ قدرها بالمعصية. وأصل الكلمة عند أهل اللسان «دسّسها» بثلاث سينات، فأُبدلت السين الأخيرة ألفاً استثقالاً لاجتماع الأمثال. قال أهل التأويل: أخفى نفسه بالفجور وأغواها ونقصها من الخير وأخملها. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معنى دسّاها: أخفاها بالفجور والمعصية؛ وأن أصلها من دسّ الشيء إذا أخفاه. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن المعنى: أخفى نفسه فوضعها ودسّها بالمعاصي، أي أخملها وحقّرها بترك طاعة الله. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن التدسية إخفاء النفس وإخمالها بارتكاب المعاصي وترك ما يزكيها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تتمة للحكم؛ إذ لا يتم بيان القسمة إلا بذكر الطرفين. وقد جرت السورة كلها على نظام الأزواج المتقابلة كما تقدم؛ فناسب أن يُختم جواب القسم بزوج كسائر أزواجها: {زَكَّاهَا} و{دَسَّاهَا}. وفي تقديم الفلاح على الخيبة رعاية لما تقدم من تقديم النور على الظلمة في الأقسام؛ فاطرد النسق. ثم إن ذكر الشق الثاني تمهيد لازم لما يأتي بعده؛ إذ ستسوق السورة قصة ثمود شاهداً على التدسية ومآلها؛ فكان لا بد من ذكر التدسية أولاً ليقع الشاهد موقعه من المشهود له.