قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا
قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا
هذا جواب القسم الذي طال انتظاره منذ مطلع السورة. ومعنى {أَفْلَحَ}: ظفر بمطلوبه ونجا من مرهوبه وبقي له نعيمه. ومعنى {زَكَّاهَا}: طهّرها من الأدناس والأخلاق الرذيلة، ونمّاها بالطاعة والعمل الصالح؛ فالتزكية جامعة بين معنيين: تطهير من نقص، وتنمية إلى كمال. قال جمهور أهل التأويل: قد أفلح من طهّر نفسه من الذنوب وأصلحها بطاعة الله. وذكر آخرون أن الضمير في {زَكَّاهَا} عائد على الله سبحانه، والمعنى: قد أفلح من زكّى اللهُ نفسَه؛ والقول الأول قول الأكثرين وعليه يدل السياق واللفظ. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أولى الأقوال أن المراد: قد أفلح من زكّى نفسه فأصلحها بطاعة الله. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن التزكية تكون بتطهير النفس من الذنوب ومن العيوب ثم ترقيتها بالعلم النافع والعمل الصالح.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب بعد سبعة أقسام وبعد بيان الإلهام؛ فاستقر في النفس أولاً أن الكون منتظم لا عبث فيه، ثم أن النفس مسوّاة ملهمة، ثم جاء الحكم. وهذا الترتيب هو منطق الحجاج الكامل: مقدمة كونية، فمقدمة نفسية، فنتيجة. ولو قُدّم الحكم على المقدمتين لجاء دعوى تُطلب لها الأدلة؛ فلما أُخّر جاء نتيجة تُسلَّم من غير منازعة. ثم إن ترتيب {أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} على {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} ترتيب المسبَّب على سببه؛ فبعد أن عُرِّفت النفس الطريقين، صار الفلاح مرهوناً باختيارها أحدهما وتعهدها له. ولهذا كان طول القسم في هذه السورة أطول ما في القرآن الكريم؛ لأن المقسَم عليه هو أخطر ما يواجهه الإنسان في وجوده.