يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
تفتتح السورة بعتاب لطيف في مقام التشريع: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}. وأصل سببها ما ثبت في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" في كتاب الطلاق من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقيل: أهدت لها امرأة من قومها عُكّة عسل فسقت منه النبي ﷺ شربة؛ فتواطأت مع غيرها من أزواجه أن يقلن له إذا دخل عليهن: إنا نجد منك ريح مغافير؛ فقال ﷺ: لا، بل شربت عسلاً عند حفصة ولن أعود له وقد حلفت؛ فنزلت الآية. وذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة التحريم، هذه الرواية وغيرها، ونصّ على أن العتاب واقع على منع النفس ما أحلّ الله ابتغاء مرضاة الأزواج. وأما ما رواه بعض المفسرين في شأن أمّ ولده مارية فقد ذكره الواحدي في "أسباب النزول" وأورده جماعة، ومدارُه على أسانيد ضعيفة لا تقوم بها حجة؛ والمعوَّل على ما في الصحيحين. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن العتاب هنا في ترك الأولى لا في وقوع معصية، وأن ختمها بـ{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تطييب لخاطره ﷺ. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، إلى أن في هذا العتاب تنبيهاً للأمة على أن مقام النبوة نفسه لا يملك التحليل والتحريم استقلالاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): افتُتحت السورة بنداء النبي ﷺ كما افتُتحت سورة الطلاق قبلها؛ فتجاورت سورتان في شأن الأزواج مفتتحتان بندائه ﷺ. وهذه الآية مقدمة لكل ما بعدها؛ إذ ستأتي الآية الثانية ببيان مخرج اليمين، ثم الآيات الثلاث التالية بتفصيل الحادثة وعلاجها. ثم إن العتاب على تحريم الحلال هنا يتصل بأصل السورة الأكبر، وهو أن الأمر لله وحده؛ ولذا ستُختم السورة بأمثال تقرر أن النجاة بالعمل لا بالصلة ولو كانت صلة بنبي. ثم ناسب ختم الآية بالمغفرة والرحمة لأن الخطاب عتاب، والعتاب من الحبيب لا يُفتح إلا ويُختم باللطف.