وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
ينتقل النظم إلى مثل النجاة: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من سورة التحريم، أنها امرأة فرعون التي آمنت بموسى عليه السلام، وسماها المفسرون آسية بنت مزاحم. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن في دعائها بيان أنها اختارت الجوار قبل الدار؛ فقالت {عِندَكَ} قبل أن تقول {فِي الْجَنَّةِ}، وأنها سألت النجاة من فرعون ومن عمله ومن قومه؛ فاستوعبت أبواب الفتنة الثلاثة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في هذا المثل ردّاً على من يحتج بفساد المحيط على انحرافه؛ فإنها كانت في بيت أطغى أهل الأرض ثم آمنت. وقد ثبت في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران؛ وهو نصّ في تعيينها وفي بيان مقامها ومقام التي بعدها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مقابلة تامة للتي قبلها؛ فهناك امرأتان تحت صالحين فخانتا فهلكتا، وهنا امرأة تحت أطغى الطغاة فآمنت فنجت. وبهذه المقابلة يتقرر المعنى من طرفيه: لا القرب من الصالح ينفع مع الخيانة، ولا القرب من الطاغية يضرّ مع الإيمان. وهذا هو المقصد الذي بُنيت عليه خاتمة السورة. ثم إن هذه الآية تتصل بمطلع السورة اتصالاً لطيفاً؛ فقد كان الحديث في أولها عن مرضاة الأزواج، وهنا امرأة قدّمت مرضاة ربها على مرضاة زوجها وعلى ملكه كله. ثم تأتي الآية الأخيرة بمثل مريم عليها السلام لتكمل صورة الكمال في الطهر والتصديق والقنوت.