يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
ينتقل النظم إلى مشهد من مشاهد القيامة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة من سورة التحريم، أن هذا قول يُقال للكفار يوم القيامة إذا أُدخلوا النار؛ أي لا تعتذروا اليوم فإن الاعتذار لا ينفعكم، إنما تُجزون بأعمالكم التي كنتم تعملونها في الدنيا. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا خطاب توبيخ وتقريع تقوله لهم الملائكة، وأنه نظير ما في سورة المرسلات: {هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}. وأشار القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، إلى أن النداء بوصف الكفر في ذلك اليوم فيه من الإهانة والفضيحة ما ليس في غيره؛ إذ يُنادَون على رؤوس الأشهاد بالوصف الذي أوجب عذابهم. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن مجيء هذا الخطاب عقب الأمر بوقاية الأهل من النار في غاية المناسبة؛ إذ يُريهم مآل من فرّط، فيكون أدعى إلى المبادرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية عقب الأمر بوقاية النفس والأهل من النار؛ فناسب أن يُعرض مشهد من لم يتّق ولم يقِ نفسه. وفيها التفات بديع؛ إذ نُقل الخطاب من {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إلى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا}؛ فتقابل النداءان في آيتين متجاورتين، وتقابل المآلان. ثم تأتي الآية الثامنة بنداء ثالث للمؤمنين بالتوبة؛ فانتظمت ثلاثة نداءات متتابعة: أمر بالوقاية، فعرض لمصير المفرّطين، فدعوة إلى التوبة. وهذا الترتيب من أحكم ما تُبنى عليه المواعظ: طلب، فتخويف، فباب مفتوح للنجاة.