يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
تأمر الآية بمواجهة الباطل بعد إصلاح الداخل: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة التحريم، أن جهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين باللسان والحجة وإقامة الحدود؛ ونقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذه الآية نظير ما في سورة التوبة بلفظها: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}؛ فتكرر الأمر في السورتين تأكيداً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الغلظة المأمور بها هي الشدة في الحق وترك الملاينة التي تُطمعهم في الدين، لا الفظاظة في الخلق المنهي عنها في قوله في سورة آل عمران: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن ذكر مأواهم بعد الأمر تعليل وتسلية؛ أي لا تأسَ عليهم فإن مصيرهم إلى جهنم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية في السورة دقيق؛ فقد بدأت السورة بمعالجة أمر داخلي في بيت النبوة بالرفق والعتاب اللطيف، ثم انتقلت إلى أمر الأمة بوقاية الأهل، ثم إلى التوبة؛ فلما تمّ الإصلاح الداخلي جاء الأمر بمواجهة الخارج. وفي هذا الترتيب حكمة ظاهرة: أن الأمة لا تقوى على مواجهة عدوها حتى تصلح بيوتها وقلوبها. ثم إن الجمع بين الرفق في أول السورة والغلظة هنا يقرر أن لكل مقام خطاباً؛ فالرفق مع الأهل والمؤمنين، والشدة مع من نصب العداوة للدين. ثم تأتي الأمثال الأربعة بعدها لتبيّن أن الانتساب لا يغني، وهو معنى يخدم هذا الأمر؛ إذ قد يكون في المنافقين من هو قريب في النسب.