قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
تفتح الآية باب المخرج من اليمين: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة التحريم، أن المعنى: قد بيّن الله لكم وشرع ما تحلّون به أيمانكم من الكفارة إذا حنثتم فيها. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن الكفارة المرادة هي المذكورة في سورة المائدة في قوله: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، خلاف الفقهاء فيمن حرّم على نفسه طعاماً أو شراباً هل تلزمه كفارة يمين أم لا شيء عليه، وأن أكثر أهل العلم على أن تحريم المباح لا يجعله حراماً وأن فيه كفارة يمين. ومن أصول هذا الباب ما ثبت في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" في كتاب الأيمان والنذور من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأتِ الذي هو خير وكفّر عن يمينك؛ فهذا نصّ في المعنى الذي قررته الآية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً عملياً لما تضمنته الآية الأولى من العتاب؛ فبعد بيان أن التحريم لا يجوز، بُيّن ما يُصنع بمن وقع منه ذلك مقروناً بيمين. وهذا من كمال الشريعة؛ إذ لا تكتفي ببيان الخطأ بل تدلّ على طريق الخروج منه. وناسب ختم الآية بـ{وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ} لأن التشريع بمنزلة الرعاية من الولي لمن يتولاه؛ وبـ{الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} لأن العلم يقتضي معرفة ما تحتاجه النفوس، والحكمة تقتضي وضع الحكم في موضعه. ثم إن هذه الآية تمهد للآية الثالثة التي تفصّل ما جرى؛ إذ فرغ النظم من بيان الحكم فانتقل إلى بيان الواقعة وعلاجها.