هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
تختم هذه الآية المقطع بتقرير الغاية من البعثة المحمدية: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة الصف، أن المراد بـ"الهدى" البيان الذي يهدي إلى الحق، وبـ"دين الحق" الإسلام؛ وأن معنى {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} أي يعليه على سائر الأديان بالحجة والبرهان وبالغلبة والسلطان. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا وعد من الله بأن دينه سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وذكر أن هذه الآية تكررت في ثلاثة مواضع من القرآن: في التوبة وفي الفتح وفي الصف؛ مما يدل على تأكد هذا الوعد. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، اختلاف أهل التأويل في الضمير في {لِيُظْهِرَهُ}: أيعود على الرسول ﷺ أم على دين الحق؟ وأن المعنى صحيح على الوجهين؛ إذ ظهور الرسول بظهور دينه. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، إلى أن الجمع بين {بِالْهُدَىٰ} و{دِينِ الْحَقِّ} جمع بين كمال العلم النافع وكمال العمل الصالح؛ فالأول إصلاح للتصور، والثاني إصلاح للسلوك.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية بيان لكيفية إتمام النور الموعود به في الآية قبلها؛ فذاك وعد مجمل وهذا تفصيل لطريقه: إرسال رسول معه هدى ودين حق، وغاية مقصودة هي الظهور على الدين كله. وقد ختمت الآيتان بصيغة واحدة مع تنويع في الوصف: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ثم {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}؛ ففي الأولى نُظر إلى ستر الحق وجحوده، وفي الثانية إلى منازعة الله في ألوهيته؛ فاستوعب الوصفان أصناف المخالفين. ثم إن هذه الآية خاتمة المقطع الثاني، ومنها ينتقل السياق في الآية العاشرة إلى نداء المؤمنين بالتجارة الرابحة؛ فكأن السياق يقول: هذا وعد الله بإظهار دينه، فمن أراد أن يكون له سهم فيه فهذه الصفقة معروضة.