تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
هذه الآية جواب السؤال المتقدم وبيان لحقيقة التجارة المعروضة. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من سورة الصف، أن قوله {تُؤْمِنُونَ} خبر في معنى الأمر؛ أي آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا؛ وإنما أُخرج مخرج الخبر لأنه أبلغ في تحقيق وقوعه وأدل على أنه أمر لازم كأنه واقع. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا تفسير للتجارة المذكورة؛ فرأس مالها إيمان وجهاد، وربحها ما ذكره الله بعده. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن تقديم {بِأَمْوَالِكُمْ} على {وَأَنفُسِكُمْ} في هذا الموضع وفي عامة مواضع القرآن لأن بذل المال أهون على النفس وأعم في القدرة عليه، فبدأ بالأدنى ترقياً إلى الأعلى. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، أن قوله {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تعليق للحكم على العلم؛ فمن علم حقيقة ما يبذل وحقيقة ما يأخذ لم يتردد؛ فالتفريط ناشئ عن جهل بالموازنة لا عن صحة نظر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً للسؤال في الآية العاشرة، فاكتملت بها صورة العرض التجاري: عُرض المتاع أولاً، ثم بُيّن الثمن، ثم يأتي الربح في الآيتين بعدها. وفي ترتيب مفردات الآية حكمة ظاهرة: بُدئ بالإيمان لأنه الأصل الذي لا يُقبل عمل بدونه، ثم ثُني بالجهاد لأنه ثمرة الإيمان وبرهانه؛ ولا يُتصور جهاد صحيح بلا إيمان، ولا إيمان كامل بلا بذل. وهذا الترتيب يعالج داء السورة الأول؛ فإن من قال ما لا يفعل إنما اختل عنده الربط بين التصديق والعمل. ثم لاحظ أن الآية عادت بالخطاب إلى {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، وهو ختام يذكّر بأن أصل الخلل في المخالفين للقول علمي قبل أن يكون إرادياً.