يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
تذكر الآية الربح المؤجل في هذه الصفقة. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية عشرة من سورة الصف، أن {يَغْفِرْ} جواب لما دلّ عليه الكلام من معنى الأمر في {تُؤْمِنُونَ ... وَتُجَاهِدُونَ}؛ فلذلك جُزم؛ والمعنى: إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن الله جمع لهم بين تكفير السيئات وإدخال الجنات وطيب المساكن؛ فمحا الماضي وأعطى المستقبل. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {عَدْنٍ} من العدن وهو الإقامة؛ يقال: عدن بالمكان إذا أقام به؛ ومنه المعدن لثبات جوهره في موضعه؛ فسميت بذلك لدوام الإقامة فيها بلا ظعن. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، إلى أن قوله {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} حصر للفوز الحقيقي في هذا العطاء؛ فما عداه من مكاسب الدنيا لا يستحق هذا الاسم عند التحقيق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية بيان لربح الصفقة الآجل، وقد جاءت مرتبة ترتيباً بديعاً: بدأت بالمغفرة لأنها تخلية من الذنوب، ثم بالجنات لأنها تحلية بالنعيم؛ فقُدّم التخلية على التحلية كما هو مقتضى العقل والشرع؛ إذ لا ينتفع بالنعيم من لم تُرفع عنه التبعات. ثم ارتقى النظم من ذكر الجنات إلى ذكر المساكن الطيبة في جنات عدن؛ فانتقل من العام إلى الخاص، ومن السعة في المكان إلى الطيب في المسكن. ثم جاءت الآية الثالثة عشرة بربح آخر معجّل يقابل هذا الربح المؤجل؛ فاكتملت الصفقة بجناحيها: عاجل يحبه الطبع، وآجل يطلبه العقل. وهذا الترتيب يتصل بمطلع السورة؛ فإن من قال ما لا يفعل خسر الأمرين معاً.