يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
يفتتح المقطع الثالث بنداء يجمع اللطف والترغيب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة الصف، أن هذا عرض من الله على عباده المؤمنين، وأن الاستفهام بمعنى العرض والتشويق لا بمعنى طلب الخبر؛ وأن "التجارة" هنا مستعارة لما يبذله العبد من إيمان وجهاد ابتغاء ما عند الله. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن الله سبحانه بيّن هذه التجارة في الآية التي بعدها؛ فالسؤال هنا والجواب هناك، وهو أسلوب في غاية اللطف في التعليم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن العرب تسمي كل ما يُبذل فيه شيء لتحصيل عوض تجارة، وإن لم يكن بيعاً معهوداً؛ ونظير هذه الآية قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية العاشرة، أن في تصدير الكلام بـ{هَلْ أَدُلُّكُمْ} تنزيلاً للمخاطبين منزلة الطالب المتشوف؛ وفيه إيقاظ للهمة قبل ذكر المطلوب، حتى إذا ذُكر وقع من النفس موقع الحرص لا موقع التكليف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد تقرير وعد الله بإتمام نوره وإظهار دينه؛ فبعد أن عُلم أن المشروع الإلهي ماضٍ لا محالة، عُرض على المؤمنين أن يكون لهم فيه نصيب. وهي كذلك متصلة بأول السورة اتصالاً محكماً؛ فإن السورة بدأت بتوبيخ من يقول ما لا يفعل، وهذه الآية تعرض عليهم أن يحوّلوا القول إلى فعل في أشرف ميدان. ثم إن الآية مقدمة استفهامية لا تتم إلا بجوابها في الآية بعدها؛ فالنظم بينهما نظم السؤال والجواب، وهذا الفصل بين السؤال وجوابه بحد الآية يزيد التشويق. ولاحظ أيضاً أن هذه التجارة ذُكرت في مقابل التجارة المذكورة في السورة اللاحقة {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا}؛ فبين السورتين مقابلة بين صفقة رابحة وصفقة خاسرة.