وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
بعد عرض تكذيبهم يأتي الحكم القاطع على صنيعهم: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة من سورة الصف، أن الاستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي لا أحد أظلم ممن اختلق على الله الكذب في حال كونه مدعوّاً إلى الإسلام؛ فجمع بين الافتراء والإعراض عن الدعوة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد بمن افترى على الله الكذب هنا: من زعم أن ما جاء به الرسول سحر، أو نسب إلى الله ما لم يقله من الشريك والولد. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير الآية، أن قوله {وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ} حال مؤكدة للتشنيع؛ إذ كان الأولى بمن يُدعى إلى الحق أن يقبل لا أن يزيد في الباطل. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، أن الظلم يعظم بعظم المظلوم فيه ومقدار البينة القائمة؛ فالافتراء على الله أعظم الظلم؛ لأنه جناية على حق الله في التوحيد وعلى حق الخلق في الهداية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية نتيجة منطقية لما قبلها؛ فبعد أن حكوا قولهم {هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} قُرّر أن هذا القول افتراء على الله؛ إذ فيه نسبة كلامه إلى السحر وتكذيب رسله. ووُصف حالهم بأنهم يُدعون إلى الإسلام في الوقت نفسه؛ فاجتمعت في حقهم الجناية والإعراض. ثم لاحظ ختم الآية بـ{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}؛ وقد ختمت الآية الخامسة بـ{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}؛ فتقابل الوصفان: الفسق خروج عن الطاعة، والظلم وضع للشيء في غير موضعه؛ وكلاهما مانع من الهداية. وهذا الترابط في الفواصل يشد المقطع الثاني من السورة شداً محكماً. ثم مهّدت الآية للآية الثامنة؛ إذ محاولة إطفاء النور هي الثمرة العملية لهذا الافتراء.