يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ
بعد التمهيد بالتسبيح ينتقل السياق إلى العتاب المباشر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة الصف، أقوال أهل التأويل في سبب هذا العتاب؛ فمنهم من قال: نزلت في قوم كانوا يقولون: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فلما نزل فرض الجهاد كرهه بعضهم؛ ومنهم من قال: نزلت في قوم قالوا: قاتلنا وفعلنا ولم يكونوا فعلوا؛ ومنهم من قال: نزلت في الذين تخلفوا يوم أحد بعد أن وعدوا الثبات. وقد نقل هذه الأقوال أيضاً البغوي في "معالم التنزيل" والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، من غير قطع بواحد منها. والتحقيق الذي عليه المحققون — وقرره ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" عند تفسير الآية — أن هذه أقوال في تعيين المخاطبين، وأن حكم الآية عام في كل من وعد ولم يفِ، أو ادعى ما ليس فيه، أو أمر بما لا يأتيه. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثانية، أن الاستفهام في {لِمَ} مستعمل في الإنكار والتوبيخ لا في طلب العلة؛ إذ لا علة تصلح لهذا الفعل أصلاً، فالسؤال عن علة ما لا علة له تبكيت للمسؤول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تنزل هذه الآية من السورة منزلة الأساس الذي بُني عليه ما بعدها. فقد سبقها تقرير الانتظام الكوني، فجاءت لتكشف موضع الخلل في الجانب الإنساني وحده. وهي مقدمة لازمة للآية الرابعة؛ إذ لا يستقيم بنيان مرصوص من لبنات متخلخلة، ولا يقوم صف من رجال يقولون ما لا يفعلون. ثم إن هذا العتاب تمهيد لقصة موسى في الآية الخامسة؛ فإن أذى قومه له كان في جوهره من هذا الباب: إقرار باللسان بأنه رسول الله، ومخالفة بالفعل. فالنظم يسير من التنبيه إلى التوبيخ إلى التمثيل بالأمم السابقة.