ينتقل السياق من موسى إلى عيسى عليهما السلام لتكتمل حجة الله على أهل الكتاب. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة الصف، أن عيسى عليه السلام أخبر بني إسرائيل بأمرين: تصديقه لما بين يديه من التوراة، وتبشيره برسول يأتي من بعده اسمه أحمد؛ وأن الضمير في {فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ} عائد على الرسول المبشَّر به على أرجح القولين، وقيل: على عيسى؛ والأول أليق بالسياق؛ إذ الكلام مسوق للاحتجاج على المكذبين بمحمد ﷺ. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذه بشارة صريحة باسم النبي ﷺ، وأن من أسمائه ﷺ "أحمد"؛ وقد ثبت في الصحيحين من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي ﷺ عدّ أسماءه، وأخرج البخاري ذلك في كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن اسم "أحمد" أبلغ من "محمد" في وجه، إذ "محمد" بمعنى المحمود حمداً بعد حمد، و"أحمد" أفعل تفضيل يحتمل أنه أحمد الحامدين لربه وأحمد المحمودين؛ فجمع له الوصفان. وقرر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة، أن تعريف الرسول المبشَّر به باسمه دون وصفه فحسب قطع لكل احتمال في التأويل؛ فالاسم علم لا يقبل الصرف إلى غيره.