وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ
انتقل الخطاب من نفي الهجران إلى إثبات البشارة. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد: ولَلدار الآخرة وما فيها من الكرامة والمنزلة والشفاعة والمقام المحمود خير لك من الدار الأولى وما فيها؛ فلا يحزنك ما أنت فيه من ضيق العيش وأذى القوم؛ فإن ما ادُّخر لك أعظم. وقيل: المراد بالأولى أول أمرك وبالآخرة آخره؛ أي: ولَآخر أمرك في الدنيا من النصر والفتح والتمكين خير من أوله من الضعف والقلة؛ والقولان متلازمان لا متعارضان؛ إذ عاقبة أمره ﷺ في الدارين خير من مبدئه فيهما. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن حذف متعلق الخيرية وإبقاءه مطلقاً يفيد شمول الخيرية لكل وجوهها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية في موضعها الطبيعي من البناء؛ فبعد أن رُفع توهم القطيعة بقي في النفس أثر الضيق من واقع الحال؛ فعولج هذا الأثر بتحويل النظر من الحاضر إلى المآل. وهو انتقال من علاج الشبهة العقلية إلى علاج الوجدان؛ إذ لا يكفي أن يعلم المرء أنه ليس متروكاً، بل يحتاج أن يعلم أن ما ينتظره خير مما فاته. وهي تمهيد لازم للآية بعدها؛ إذ لما قرر خيرية المآل جاء ببيان أن هذا المآل عطاء موصول حتى الرضا.