أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ
شرع الله سبحانه في تعداد المنن السابقة استدلالاً بها على صدق الوعد اللاحق. والمعنى: ألم يجدك يا محمد يتيماً فقيراً إلى من يكفلك ويؤويك فآواك وضمك وجعل لك من يحوطك ويرعاك؟ وقد مات أبوه ﷺ قبل مولده وماتت أمه وهو صغير، فكفله جده عبد المطلب ثم عمه أبو طالب؛ وذلك كله بتيسير الله وتدبيره. وذهب المفسرون إلى أن «الإيواء» هنا يجمع إيواء البدن بالكفالة وإيواء القلب بالسكينة. وقرر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن الاستفهام تقريري يراد به حمل المخاطب على الإقرار بما يعلمه من نفسه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل الخطاب من الوعد المستقبل إلى الحجة الماضية؛ وهو أسلوب محكم في الإقناع؛ إذ الوعد بالغيب قد يحتاج إلى سند، وأقوى سند يقدَّم للمخاطب ما يشهده من نفسه ولا يستطيع دفعه. فبدأ بأول أطوار حياته ﷺ زمناً وهو اليتم؛ ثم يتدرج في الآيتين بعده إلى الهداية ثم الإغناء. ومناسبة هذا التعداد لسبب النزول ظاهرة: قالوا «تركك ربك»، فقيل: انظر متى تركك؟ أفي يتمك؟ بل آواك. أفي حيرتك؟ بل هداك. أفي فقرك؟ بل أغناك.