وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ
وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ
هذه المنّة الثالثة؛ والمعنى: وجدك فقيراً قليل ذات اليد ذا عيال لا مال لك، فأغناك بما ساقه إليك من الرزق ومن مال خديجة رضي الله عنها، ثم بما فتح عليك من الفيء والغنائم. وذهب جماعة من المحققين إلى أن الغنى المذكور هنا يشمل غنى النفس، وهو أشرف الغنيين؛ إذ الغنى الحقيقي غنى القلب لا كثرة العرض، كما ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ»؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، ومسلم في كتاب الزكاة. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذه المنن الثلاث جامعة لأصول ما يحتاجه العبد: الكفالة والعلم والكفاية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختم تعداد المنن بالإغناء؛ وهو أنسب ما يُختم به هذا المقطع؛ لأنه يمهد للمقطع الأخير مباشرة: فمن أُغني بعد فقر أُمر بألا ينهر السائل؛ فالمنّة الأخيرة تلامس التكليف الأوسط. وقد جاءت المنن الثلاث على ترتيب صاعد في الحاجة: كفالة الصغير، ثم علم البالغ، ثم كفاية المكلف؛ وهو ترتيب يوافق مراحل العمر ومراتب الاحتياج معاً؛ وهذا من إحكام النظم القرآني.