وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ
وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ
عطف الله سبحانه على القسم الأول قسماً ثانياً بالليل حين يسجو. وقد فسر السلف «سجا» بالسكون والركود؛ قال جمهور المفسرين: سكن وهدأ واستقرت ظلمته، وقيل: أظلم وادلهم، وقيل: غطى بظلامه، وقيل: استوى ظلامه وطال. وأصل المعنى الجامع بين هذه العبارات هو السكون؛ ومنه قولهم: بحر ساجٍ، أي ساكن لا تضطرب أمواجه؛ وطرف ساجٍ، أي فاتر ساكن. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن اجتماع القسم بالضحى والليل يفيد الاستدلال بتقابل الحالين على تقابل حالي الوحي؛ فكما لا يُنكر سكون الليل بعد ضياء النهار، لا يُنكر فتور الوحي بعد تتابعه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): قُيّد الليل بحال السجو ولم يُقسم به مطلقاً؛ لأن المراد ليس الليل من حيث هو ظلمة، بل من حيث هو سكون هادئ لا اضطراب فيه؛ وهذا هو موضع الشبه بالحال المقصودة. فالفترة التي مرت بالنبي ﷺ لم تكن ظلمة عذاب ولا اضطراب حرمان، بل كانت سكوناً مؤقتاً في مجرى الوحي؛ فجاء القيد ليمنع فهم الليل على أنه رمز الشقاء، ويثبّته على أنه رمز الهدوء الممهد. وبتقديم الضحى على الليل ــ على خلاف الترتيب الزمني المعتاد ــ ينكسر توقع السامع فيتنبه، ويُستفتح الكلام بالنور لا بالظلمة؛ وهو أنسب لمقام البشرى.